الآلوسي
84
تفسير الآلوسي
ولولا كثرة الباكين حولي * على اخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن * اعزى النفس عنه بالتأسي فهؤلاء يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه أو لن ينفعكم ذلك من حيث التشفي أي لن يحصل لكم التشفي بكون قرنائكم معذبين مثلكم حيث كنتم تدعون عليهم بقولكلم : * ( ربنا آتهم ضعيفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً ) * ( الأحزاب : 68 ) وقولكم : * ( فآتهم عذاباً ضعفا من النار ) * ( الأعراف : 38 ) لتتشفوا بذلك ، واعترض على الوجه الأول من هذه الأوجه الثلاثة بأن الانتفاع التعاون في تحمل أعباء العذاب ليس ما يخظر ببالهم حتى يرد عليهم بنفيه ، وأجيب بأنه غير بعيد أن يخطر ذلك ببالهم لمكان المقارنة والصحبة والغريق يتشبث بالحشيش والظمآن يحسب السراب شراباً . وقرأ ابن عامر * ( إنكم ) * بكسر الهمزة وهو تقوى ما ذكر أولاً من إضمار الفاعل وتقدير اللام في أنكم معنى ولفظاً لأنه لا يمكن أن يكون فاعلاً فيتعين الإضمار ، ولأن الجملة عليها تكون استئنافاً تعليلياً فيناسب تقدير اللام لتتوافق القراءتان ، وقوله تعالى : * ( أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) * . * ( أَفَأَنْتَ تُسْمعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدي الْعُمْيَ ) * إنكار تعجيب من أن يكون صلى الله عليه وسلم هو الذي يقدر على هدايتهم وهم قد تمرنوا في الكفر واعتادوه واستغرقوا في الضلال بحيث صار ما بهم العشي عمي مقروناً بالصمم * ( وَمَنْ كَانَ في ضَلاَل مُّبين ) * عطف على العمي باعتبار تغاير الوصفين أعني العمي والضلال بحسب المفهوم وإن اتحدا مآلا ، ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط الذي لا يخفى لا توهم القصور منه عليه الصلاة والسلام ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى وحده بالقسر والالجاء وقد كان صلى الله عليه وسلم يبالغ في المجاهدة في دعاء قومه وهم لا يريدون إلا غيا وتعاميا عما يشاهدونه من شواهد النبوة وتصاماً عما يسمعونه من بينات القرآن فنزلت * ( أفأنت ) * الخ * ( فَامَّا نَذْهَبَنَّ بكَ ) * فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم ونشفي بذلك صدرك وصدور المؤمنين . * ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ) * . * ( فَانَّا منْهُمْ مُّنْتَقمُونَ ) * لا محالة في الدنيا والآخرة واقتصر بعضهم على عذاب الآخرة لقوله تعالى في آية أخرى : * ( أو نتوفينك فالينا يرجعون ) * ( غافر : 77 ) والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، وما ذكرنا أتم فائدة وأوفق باطلاق الانتقام ، وأما تلك الآية فليس فيها ذكره ، وما مزيدة للتأكيد وهي بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة . * ( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ ) * . * ( أَوْ نُريَنَّكَ الَّذي وَعَدْنَاهُمْ ) * أي أو أردنا أن نريك العذاب الذي وعدناهم * ( فانَّا عَلَيْهمْ مُقْتَدرُونَ ) * بحيث لا مناص لهم من تحت ملكنا وقهرنا واعتبار الإرادة لأنها أنسب بذكر الاقتدار بعد ، وفي التعبير بالوعد وهو سبحانه لا يخالف الميعاد إشارة إلى أنه هو الواقع ، وهكذا كان إذا لم يفلت أحد من صناديدهم في بدر وغيرها إلا من تحصن بالإيمان ، وقرئ * ( نرينك ) * بالنون الخفيفة . * ( فاسْتَمْسِكْ بالَّذِىأُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) * . * ( فَاسْتَمْسكْ بالَّذي أُوحيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلَى صرَاط مُّسْتَقيم ) * تسلية له صلى الله عليه وسلم وأمر له عليه الصلاة والسلام أو لأمته بالدوام على التمسك بالآية والعمل بها ، والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا كان أحد هذين الأمرين واقعاً لا محالة فاستمسك بالذي أوحيناه إليك ، وقوله تعالى : * ( إنك ) * الخ تعليل للاستمساك أو للأمر به .